spacer.png, 0 kB
الصفحة الرئيسية arrow مقالات علمية arrow نظرات في فقه التعامل مع الرؤى والأحلام
نظرات في فقه التعامل مع الرؤى والأحلام
10/11/2007

Imageهذا الموضوع تم إعداده و تحريره من طرف إمام مسجد إبنال، الشيخ أحمد علي الهبطي، جوابا عن أسئلة متكررة من طرف كثير من الآباء و الأبناء هنا في أوربا. سائلين الله تعالى أن ينفع به كل من قرأه أو اطلع عليه٠

و نزولا عند رغبة كاتبه و محرره، نرجو من السادة الزوار إرسال ملاحظاتهم و تعليقاتهم، للمزيد من الإثراء و البيان٠

 

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه

: وبعد

فإن من الموضوعات التي احتدم فيها الجدل في هذه الأيام، وخاض الناس فيها بعلم وبجهل أحيانا، موضوع الرؤى والأحلام، وحجيتهما في الأحكام، ولا شك أن التعرض لهذا الموضوع الشائك والدقيق، يقتضي قدرا غير يسير من الكفاءة الشرعية والروية العلمية، إضافة إلى الموضوعية والإنصاف، والانطلاق من عامل واحد، هو تحري الحق، والوصول إلى الصواب.-ولا أدعي ذلك ولا أزعمه- وبتأمل ما قيل في ذلك وكتب أخيرا -مما تيسر الاطلاع عليه طبعا- يبدو – والعلم عند الله- أنه يفتقر إلى شيء من الشمولية في العرض، والأصالة في التحليل، والنزاهة في الحكم، بل يخشى أن يكون قائما في جملته – إلا ما ندر- على الأحكام المسبقة، وردود الأفعال المتشنجة، فالمتصوفة وأرباب القلوب، يرون أن الرؤى والأحلام، إن لم تكن حجة قوية في الأحكام، ومسلكا من مسالك الدلالة في الشرع، فهي من المبشرات والمؤشرات الدالة على صلاح الفرد والجماعة، وأن الاهتمام بتعبيرها ونشرها، باب من أبواب الخير، وعامل من عوامل التثبيت، وقد يتحمس هذا الفريق ويغلو، فيترصد كل المنامات دون تمييز بين حديث النفس والروح والشيطان، ويشغل عمره وعمر غيره بذلك، وقد يبني عليها مواقف شرعية، وقرارات مصيرية، تعصف بحياته وحياة أسرته ومجتمعه، إن لم يتداركه الله تعالى برحمة منه وفضل، و هلم جرا٠

ويتصدى لهذا الفريق المتحمس أيضا، بعض المتفقهة وأرباب العقول، فيشنون الغارة على شباب أغرار، أحرقتهم المادية بلهيبها، ولفحتهم بنارها، فاستنجدوا بالمنامات والأرواح، وعطشوا، فلم يفرقوا بين شراب وسراب، ولو وجدوا من يأخذ بأيديهم إلى النبع الصافي، والماء العذب النمير، لأقبلوا إليه يزفون، ولم يكن هؤلاء السادة الناقدون، الكاتبون أو المحاضرون، في حاجة إلى شيء من هذه الأساليب الجارحة، والعناوين الطويلة المسجوعة، لبيان وجه الصواب في المسألة، وتأصيلها علميا وأصوليا، بل كان يسعهم فعل ذلك وأكثر، بكامل العفوية والأريحية، والأدب والموضوعية، مع رد على الشبهات، وإحالة على المطولات، والهادي هو الله، والحسيب هو الله! وكفي به هاديا وحسيبا! ومن تأمل مقالات هذا الفريق الناقد، وجدها أيضا مليئة بالثغرات والتجاوزات، أظهرها، الخلط بين مفهومي الرؤيا الصالحة، والمنامات العادية، ورفض كثير من المعتقدات السليمة، عملا بقاعدة سد الذرائع في غير محلها، ومجاوزة الحد في النقد والتصحيح، والترجيح والتجريح، دون تبين وتمكن، وتورع وإنصاف. وقد تتطور ردود الأفعال بين الفريقين إلى أبعد من هذا، فيتحول الموضوع إلى معركة كلامية بين الخرافة والعقلانية، والمادية والروحية، دونما التفات إلى مضامين المصطلحات وخطورتها، وشؤم الخصومات ومآلاتها٠

وبعد: فهل لنا أيها السادة المتفقون والمختلفون والمتفرجون، أن نلتقي على كلمة سواء ، وننظر سويا فيما قاله المحققون وجمهور العلماء في هذا الموضوع وفروعه ومسائله، بعيدا عن الأذواق والأشواق، والأهواء وردود الأفعال؟! هل لنا أن نطمع في آذان واعية، وعقول مومنة متحررة؟ غايتها الوصول إلى الحق، وإن خالف مذهبها ومشربها؟ وعادتها ومألوفها؟ أيكون ذلك في عصر التحزبات والتكتلات، وغربة العلم المؤصل بدليله، وفشو الفكر الذي لا ينضبط؟ وإعجاب كل ذي رأي برأيه؟ نرجو ذلك ونتمناه، وما ذلك على الله بعزيز!٠

أولا- إن أول ما يجب تحريره وتقريره في هذا الصدد، هو تأسيس أصل تنبني عليه كل الفروع، ألا وهو أن الشريعة( بمفهومها الكلي الشامل، لا بمفهومها الإعلامي الشائع) حاكمة، لا محكوم عليها، كما قال الإمام أبو إسحاق الشاطبي رحمه الله وغيره، ومعنى ذلك ببساطة، أن كل أقوال العباد وأفعالهم وأحوالهم، -سواء تعلق الأمر باليقظة، أو بالمنام، أو بالمشاعر والمشاهد والكشف والفراسة والإلهام، وما أشبه ذلك،- ينبغي أن ترد إلى قواعد الشرع وأحكامه وأدلته، فما قبله منها فهو مقبول، وما رفضه منها فهو مرفوض، لا يند عن هذه القاعدة، ولا يستثنى منها مخلوق، أيا كان فضله ووزنه، بما في ذلك سيد الخلق أجمعين، وإمام المرسلين والصالحين، محمد عليه الصلاة والسلام، الذي أمره الله أن يكون أول المسلمين، وأول المكلفين، وأول المستقيمين ( فاستقم كما أمرت) سورة هود٠

وخصوصيته صلى الله عليه وسلم في باب الرؤى مقررة بالشرع، بل هي إحدى طرق الوحي باتفاق، فلا إشكال إذن٠

فمن حفظ هذا الأصل الأول ووعاه، فقد استمسك بالعروة الوثقى، وآتى البيوت من أبوابها، ومن ضيعه وأعرض عنه، فلا حجة بيننا وبينه والله يفتح بيننا وإليه المصير، نسأله تعالى أن يزيل عن عقولنا وقلوبنا الران حتى نفقه ونبصر!٠

ثانيا/ إن مناط التكليف، وعلة السؤال والمحاسبة في الدنيا والآخرة، هو اليقظة، باتفاق أهل العلم، وأما النائم الفاقد لوعيه، فلا يكلف بشيء، ولا يسأل عن شيء، لا شرعا ولا قانونا ولا عرفا، فلو نام المكلف وفاتته الصلاة بغير قصد فلا شيء عليه، ولو هذى في نومه، ونطق بكلمة كفر أو طلاق أو نحوه، فإنه لا يلزمه شيء من ذلك، ولا اعتبار له في ميزان الشرع، وإن رأى النبي صلى عليه وسلم في المنام، فأمره أو نهاه، أو أفتاه، فلا حجية في ذلك، على الراجح من أقوال العلماء، إلا إذا وافق الشرع، وقس على ذلك كل ما يعرض للنائم من أحوال وأفعال وأقوال، فكلها في حكم العدم، إذ النوم أخو الموت، والميت لا يكلف بشيء ، ولا يكتب عليه القلم بنص الحديث الصحيح الصريح٠

ومن ثم وجب على المكلف العاقل، أن يعتني ابتداء بما يلزمه ويعنيه في يقظته ووعيه، وأن لا يجعل من الاستثناء قاعدة، ومن المنامات موضوعا يشغل العمر الحقيقي، ويلتهمه ويقضي عليه، ولقد ألهم النبي صلى عليه وسلم هذا المعنى، ونبه عليه بأسلوب الترك والبيان، إذ أدرك أن أصحابه رضي الله عنهم، قد انشغلوا بالرؤى وتعبيرها، وسؤال النبي عنها، واحتلت حجما غير عادي في عقولهم ونفوسهم، ومنهم من مرض بسبب ذلك واعتل مزاجه، كما جاء في الأخبار الصحيحة، فكف النبي صلى الله عليه وسلم عن سؤاله المعهود لهم بعد صلاة الصبح، (من رأى منكم رؤيا في هذه الليلة؟) وبين لهم صلى الله عليه وسلم أقسام الرؤى، وكيفية التعامل معها، دون إفراط وتفريط٠

ثالثا/ ما يراه الإنسان أو يسمعه في المنام أقسام ثلاثة، منها ما يتعلق بالجسد، ومنها ما يتصل بالنفس، ومنها ما يتصل بالروح، والذي يعني المسلم في هذه الأقسام الثلاثة، هو ما تعلق بالروح، وتلك هي الرؤية الصالحة، التي يراها المومن أو ترى له، وهي التي تعبر ويسأل عن تأويلها، وهي نادرة وقليلة، كندرة الصالحين وقلتهم في الناس، وأما ما يتصل بالنفس، -وأكثر المنامات من هذا النوع،- فليس إلا انعكاسات لأماني الشخص ومخاوفه في العقل الباطن، فمن كان له تعلق وارتباط بالعلماء والصالحين مثلا، وكان يأمل رؤيتهم ومجالستهم، فإنه يراهم غالبا في المنام، ومن خافا شيئا تمثل له في المنام، بصورة أو بأخرى، وقس على ذلك كل الأماني والآمال والمخاوف الباطنة، يعبر عن هذا المعنى الإمام ابن سيرين الذي سأله سائل، فقال رأيت أني أطير في الهواء، فما التأويل؟ فأجابه الإمام: إنك يا هذا كثير الأماني !. وكثيرا ما ضيع الناس أوقاتهم في السؤال عن منامات وأحلام مزعجة، سببها عسر الهضم، أو ارتفاع الحرارة، وتصاعد الأبخرة إلى الدماغ، بسب الأكل المفرط، ولا سيما بعد وجبات السحور، وزرود الولائم والأعراس، ولو فرغت المعدة، وجف الحلق، لرأيت في المنام طعاما وشرابا، ولو نمت على مشاهدة فلم ديني لرأيت أبطاله ونجومه، ولو أشربت حب العلم والعلماء، لرأيت ما يرمز إلى ذلك من كتب وأقلام، وعلماء ومربين، ولو أدمنت على مطالعة كتب الصالحين، لتمثلوا لك في المنام، وهذه كلها أحاديث نفس، يتفاءل المومن بالطيب منها، ويترك الرديء٠

رابعا/ كيف يميز الإنسان بين المنامات، ويفرق بين الرؤيا الصالحة، وحديث النفس والشيطان؟

يميز ذلك بقرائن في نفسه، ثم في الرؤيا وملابساتها، وظروفها ووقتها، كما قال المحققون من أهل العلم. فإن كان الرائي مؤمنا صادقا، فغالب ما يراه من الله عز وجل،كما في حديث البخاري: أصدقكم رؤيا أصدقكم حديثا. ومن حيث الملابسات، فالرؤيا الصالحة، واضحة المعالم، ليس فيها طول ولا تخليط، يتذكرها الإنسان بسهولة في يقظته، وتنطبع صورتها في مخيلته، وهي إما تبشير، أو تنبيه وتحذير، ويصحبها في الغالب انشراح الصدر، وسكينة النفس، وزيادة الإيمان. وبالنسبة لوقتها، فغالبا ما تكون في الثلث الأخير من الليل، أو بعد الفجر، فإن هذه الأوقات، هي أوقات الرحمة وانتشار الملائكة، ونزول الرب عز وجل، نزولا يليق بجلاله وكماله وجماله.، كما صحت بذلك الأحاديث الصحيحة المليحة، ومن نام على طهارة وذكر وتوبة، كان أقرب إلى الرؤية الصالحة، ويجوز للعبد شرعا أن يسأل الله رؤيا صالحة قبل نومه، وقد صح هذا عن عبد الله ابن عمر، وأثر عن غيره من الصحابة والصالحين٠

والحلم الذي يكون من الشيطان، عادة ما يكون في مقدمة الليل، لأنه وقت انتشار الشياطين.كما جاء في حديث البخاري، وغالب الأحلام، من نصيب أهل الفسق والتلبيس والتخليط، نعوذ بالله من ذلك. ويجوز للمسلم العاصي، بل حتى لغير المسلم، أن يري الرؤيا الصادقة، امتحانا له وتذكيرا، ولكن على سبيل الندرة، -والنادر لا حكم له- كما في قصة رؤيا الملك في سورة يوسف٠

أما عن حديث النفس في المنام، فالناس فيه سواء، ولا يمكن عزوه لوسوسة الشيطان، بل هو انعكاس طبيعي لأماني الإنسان ومخاوفه في اليقظة،كما سبقت الإشارة إليه، وكلام فرويد ورأيه في هذه النقطة -تحديدا -ليس ببعيد عن الصواب، كما قال العلامة الشامي الراحل، علي الطنطاوي رحمه الله، وهذا من إنصاف العلماء وعدلهم مع المخالفين!٠

خامسا/ من أقبح أنواع الكذب، الكذب في الرؤى والمنامات، سيما إذا كان المقصود من ذلك إظهار الكرامات، والأكل بالدين، والاستخفاف بعقول الغافلين، يقول صلى الله عليه وسلم في حديث البخاري: من تحلم بحلم لم يره كلف أن يعقد بين شعيرتين ولن فعل.) والعقد بين شعيرتين -كما هو مجرب معلوم- ممتنع، وتكليف يناسب الحال والمقال! ولعل هذا الوعيد الشديد يكون زجرا لقوم اعتادوا أن يروا أعينهم ما لم تر، نسأل الله العافية للجميع!٠

سادسا / رؤى الأنبياء وحي مصدق بالإجماع، ولا يجوز قياس الأولياء والصلحاء عليهم، فضلا عن عموم الخلق، فمن رأى أنه يذبح ابنه في المنام، أو ما أشبه ذلك من رؤى وسماعات وهواتف، فسبيله الوحيد، أن يعرض ذلك على قواعد الشرع ومسلماته، وذاك هو المحك والميزان - قولا واحدا- ولا يقيس نفسه بإبراهيم الخليل، وبيوسف الصديق، وبمحمد ابن عبد الله، صلوات الله عليهم جميعا. وكون الرؤيا جزءا من النبوة، لا يعطيها حكم الكل، فالكل كل، والجزء جزء، ولا يكتمل الكل إلا باجتماع أجزائه، كما يقول المناطقة، واجتماع أجزاء النبوة كلها بعد الرسول الخاتم محمد، صلى الله عليه وسلم، من أمحل المحال! ودع عنك القيل والقال!، فالولاية ولاية، والنبوة نبوة، وليس هذا من ذاك! مهما تكلف المتكلفون،! وحلم الحالمون! وللناس في هذا الباب اعتقادات وأوهام ، يصعب حصرها.نسأل الله الفقه والبصيرة في الدين!٠

ومن الطرائف المروية في هذا السياق، أن شريك بن عبد الله القاضي دخل على المهدي ، فلما رآه قال: علي بالسيف والنطع، فقال ولم يا أمير المومنين؟ قال رأيت في منامي، كأنك تطأ بساطي، وأنت معرض عني، فقصصت رؤياي على من عبرها، فقال يظهر لك طاعة، ويضمر لك معصية، فقال له شريك: والله ما رؤياك برؤيا الخليل إبراهيم عليه السلام، ولا أن معبرك بيوسف الصديق عليه السلام، فبالأحلام الكاذبة تضرب أعناق المؤمنين؟ فاستحيى المهدي ! . ونسأل الله لنا جميعا الحياء والهداية!٠

وجاء في صحيفة عربية سيارة، أن إحدى البلدان، قررت إجراء انتخابات في موعد معين، ثم عادت فألغت القرار فورا؛ بناء على رؤيا مزعجة رآها أحدهم، تحذر من مغبة الحرية والديمقراطية! وهكذا تتدخل الرؤى والمنامات أيضا في شؤون السياسة والحكم، وتقرر في مصير الشعوب !!. والجنون فنون، ولله في خلقه شؤون!. وكثير من الناس انفصلوا عن زوجاتهم، وأصهارهم، وأصحابهم، ومربيهم، وجمعياتهم، وأوطانهم، وناصبوهم العداوة والبغضاء؛ نتيجة رؤى ومنامات، وكأنها وحي يوحى !. وبعضهم خرج عن مهنته وعمله ومحل إقامته..... ومما أذكره في هذا الصدد، أن أحد حجاجنا المسنين الميامين، رأى في منامه ليلا، أنه يضرب أحد الفتانين- حسب قوله- قصاصا أو تعزيرا، وفي الفجر الموالي، تعرض لصاحبه في مسجد الحي، وقام بعملية التنفيذ فورا، بدم بارد، وثبات عجيب، ولسان حاله يقول:" هذا تأويل رؤياي من قبل قد جعلها ربي حقا"!. وكان ما كان من جروح وآلام حسية ومعنوية، لا تخفى !. والذي روى لنا ذلك وأكده، هو الطبيب الجراح، الذي عالج المصاب، وضمد الجروح -حسا ومعنى - أثابه الله، وغفر لعمنا الحاج !. وصدق رسول الله، إذ يقول في حادثة مشابهة، كما جاء في سنن أبي داود، وصححه ابن السكن، من حديث ابن عباس رضي الله عنهما :" قتلوه قتلهم الله !!. ألا سألوا إذا لم يعلموا ، فإنما شفاء العي السؤال٠"

سابعا/ إذا كانت الرؤيا واضحة المعالم، قطعية الدلالة، فلا حاجة لسؤال أهل التعبير، خلافا للرؤى المتشابكة الخيوط، الخفية الرموز، فهذه نتوقف في أمرها، ولا نستنتج منها خيرا ولا شرا، ولا بشارة ولا نذارة، حتى نظفر بأهل التعبير الثقات، وعلى فرض وجود العابر الحاذق الثقة، فإنه قد يصيب البعض ويخطئ البعض، وقد لا يصيب مطلقا، مثله مثل الفقيه المجتهد، الذي يؤجر على كل حال، أصاب أم أخطأ، فإذا تح& 1602;قت الرؤيا في اليقظة، وجاءت مثل فلق الصبح، فذاك هو تأويلها حقا، كما قال يوسف عليه السلام : ( هذا تأويل رؤياي من قبل قد جعلها ربي حقا) يوسف٠

وليس من السهل اليسير، الظفر بالعابر التقي الملهم، العالم بالكتاب والسنة، وأحوال الناس، وأقدارهم، وأزمنتهم، ومنافعهم، ومضارهم، مع الستر على عوراتهم، ….وقد كانوا قلة في زمان الصحابة والتابعين، وهم اليوم أقل من القليل، بل أعز من الكبريت الأحمر، مهما كانت الدعاوي والافتراءات. وليس كل العلماء والفقهاء أهلا للتأويل والتعبير، كما يتصور البعض. قيل للإمام مالك رضي الله عنه، هل يفسر الرؤيا كل أحد؟ فقال: أبالنبوة يلعب؟؟!!!٠

لله در إمام دار الهجرة، على هذا الجواب العجاب، الذي تشد إليه الرحال!٠

أجل! إن الله تعالى لم يختص بهذا العلم الشريف، إلا بعض أنبيائه وأوليائه حقا، يقول يوسف عليه السلام،: (ذلكما مما علمني ربي ) (رب قد آتيتني من الملك وعلمتني من تأويل الأحاديث). سورة يوسف٠

ومن نظر إلى واقعنا اليوم، وجد أن تعبير الرؤى والمنامات، أصبح حرفة مدرة للأرباح، وسبيلا إلى المجد والظهور، ومثله التخصص في الرقية، وفك السحر، أو ما يسمى إعلاميا، بالطب الروحي. (حاشا الصادقين المحتسبين، من أهل الرقى والتعبير٠)

كيف يكون تعبير الرؤيا يا عباد الله! صائبا ودقيقا، على الهواء مباشرة في الفضائيات؟ علما أن التعبير -كما يقول المحققون- يقتضي معرفة حقيقة الرائي، من حيث الاستقامة أو عدمها، واستفصاله في ملابسات الرؤيا، إلى غير ذلك من الحيثيات والشروط التي ينبغي توفرها في الرائي والعابر! …٠

ثم إن أغلب الناس يعتمدون في تفسير رؤاهم، على الكتاب المنسوب لابن سيرين، أو غيره، وهذا لا يصح، ولا يكون، فقد يحدث أن يرى شخصان شيئا واحدا في المنام، فيكون التعبير مختلفا بل متعارضا، تبعا لاختلاف القرائن والأحوال، وكثير من الناس أصيبوا بداء الوسواس، من جراء النظر في هذه الكتب، وإدمان الرجوع إليها في كل المنامات والأحلام، فوجب الحذر والتنبيه!٠

ثامنا/ رؤية النبي صلى الله عليه وسلم في المنام، شرف عظيم، وأمنية كل مسلم ومسلمة، وليتنا صحبنا أنفاسه حيا، ورأيناه -فداه أبي وأمي- مناما، ولقد صحت الأحاديث وتتابعت بجواز رؤيته صلى الله عليه وسلم في المنام، وأن الشيطان لا يتمثل به، وعند التحقيق، تجد القليل من يراه صلى الله عليه وسلم حقا، بأوصافه وسماته المعروفة في كتب السيرة والحديث، ولذلك وجب التحري في هذا الباب، وسؤال كل من ادعى رؤيته صلى الله عليه وسلم، أن يصف لنا ما رأى، فإن كان الوصف مطابقا لوصفه صلى الله عليه وسلم، قبلنا منه ذلك، وبشرناه أو أنذرناه،حسب مضمون الرؤيا ومقتضيات التأويل، وإن كان غير ذلك، ضربنا بدعواه عرض الحائط، مع البيان والتعليل٠

وإنما يرى مثال النبي صلى الله عليه وسلم- طبعا- لا صورته الحقيقية، التي تنعم في حياتها البرزخية، على الوجه الذي يعلمه الله تعالى! كما حقق العلامة المحدث عبد الله بن الصديق الغماري، في خطاب خاص لتلميذ له. ثم إنه ينبغي النظر في مضمون هذه الرؤيا، فإن كانت من قبيل ما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم، ودعا إليه في يقظته، واستقر التشريع به، فبها ونعمت، ويكون قبوله عندئذ، من باب الاستئناس، لا من باب الاستدلال، عند أهل التحقيق؛ لأن الرؤيا -كما ألمعنا سابقا- ليست من أدلة الشرع المعلومة، فإن الرسول الكريم، صلى الله عليه وسلم، لم يلحق بالرفيق الأعلى، حتى أكمل الله به الدين، وأتم به النعمة، وترك أمته على المحجة البيضاء٠ 

والخلاصة، أن الرؤيا باب من أبواب العلم، لا يجوز الخوض فيه، نفيا أو إثباتا، تصحيحا أو إبطالا، إلا بعد الاطلاع على ما ورد في ذلك من نصوص قرآنية وحديثية كثيرة، مع استقراء تام لآراء العلماء، وعرض حججهم على الأدلة الشرعية المختلفة، على أن يكون القصد من وراء ذلك، أولا وأخيرا، هو الوصول إلى الصواب، أو إلى الأقرب ما يكون إلى الصواب. وأما المقالات والردود الصحفية، والخطب العاطفية،- من غير المختصين- فأقل ما يقال عنها، أنها من ملح العلم، لا من صلبه. ومن قشوره، لا من لبه، وشتان بين الملح والصلب، والقشور واللب، والموفق من وفقه الله !، والمخذول من خذله الله !، ولا حول ولا قوة إلا بالله. !! ومن أراد المزيد من التوسع والتعمق الأصولي، في هذا الموضوع الشائك والمتشعب، فعليه – إن شاء- بالاعتصام، والموافقات، للشاطبي، والرؤيا في الكتاب والسنة، للمحدث عبد الله بن الصديق الغماري، ومدى حجية الرؤيا عند الأصوليين. لمفتي مصر، الدكتور جمعة. وغيرها من المطولات والأمهات. وليكن مسك ختامنا، هذا الدعاء المخلص، المنسوب لسيدنا الإمام أحمد أبي عبد الله بن حنبل،- رحمه الله ورحمنا-:( اللهم من كان من أمة محمد على غير الحق، وهو يظن أنه على الحق، فرده إلى الحق !!) آمين!!٠

وسلام على المنصفين، بعد المرسلين، والحمد لله رب العالمين٠


: آخر المقالات لنفس الكاتب
آخر تحديث - 14/12/2008
 
spacer.png, 0 kB
spacer.png, 0 kB
spacer.png, 0 kB
spacer.png, 0 kB